حلم أحلام🌹
الجزء الثالث🌷
عرضنا فيما سبق أجزاء من حياة الفتاة أحلام ، وتعرفنا سويا علي الظروف التي طرأت علي حياتها، وكيف أثرت في تكوين شخصيتها،، واليوم نستكمل معا باقي الحديث عن ما مرت به الفتاة الصغيرة.
اليوم أحلام في الصف الثالث الإعدادي أي أن سن المراهقة يدق علي باب الفتاه. ونعلم جميعا أن سن المراهقة مملوء بالمشاعر الفياضة ومملوء بإضطرابات في عقل الفتاة تذهب بها يمينا ويسارا، ثبتت أحلام وكأنها في الثلاثينات من عمرها. فهي لم تشعر بما يشعر به زميلاتها.
لم تشعر بحب أحد من زملائها. أو علي الأصح لم تعطي أي أحد إهتمام كانت فقط تشعر كيف تكون علي قدر المسئولية الملقاة علي عاتقها.
كان كل يوم يمر علي الفتاة وسط تلك المحن تقتل الفتاة التي بداخلها. فهي لم تظهر بعد. لم تحن لها الفرصة أبدا للظهور . فهي غارقة في همومها، وعملها، وحزنها، ووحدتها. وكان من مميزاتها أنها لا تحب شعور الإحتياج. فهي لم تحدث أحد من زميلاتها المقربين منها بما تمر به من أزمات. حتي لا ينظر لها أحد نظرة شفقة. فأحلام تعشق التماسك والكبرياء. والكبرياء. هنا لا بغرض التكبر ولكن كبرياء النفس ، وعلوها عن الشكوي والزل. فكانت تبدو متماسكة أمام الجميع.
وكان زميلاتها ينظرون إلي ملابسها ويقولون أنها تعيش حياة مليئة بالسعادة.
وفي هذا العام كبرت الفتاة جدا جدا من داخلها. وكانت لا تشعر بقرب زملائها ولا تشعر بحنين إلي أحدا منهم. كانت تحس أنهم صغار جدا. هي فقط من كبرت منهم.
ومرت الشهور وتحولت أحاسيس الفتاة بالعزلة، والحرمان من الأم ومن صوتها في المنزل إلي شعور قوي بالمسؤولية. فأحست أنها هي الأم التي لابد لها أن تتحمل مسؤولياتها ناحية والدتها، وأشقائها، وشقيقتها الصغيرة. وكل كبير وصغير بالمنزل.وكانت الفتاة علي قدر المسؤولية وشهد لها الكل بذلك.
كانت أحلام عند تعبها لا تشعر بالراحة إلا بالجلوس علي الأرض بجوار سرير والدتها وتسند رأسها بجوارها. وتبكي ووالدتها تضع يدها علي شعرها وتبكي هي الأخري. حينها فقط كان يضيع هم. وحزن. وآلم أحلام بين يدي والدتها.
أحلام بمفردها مع شقيقتها الصغري وهي لم تحس بها بعد وفي قانون الطبيعة. مع كثرة عدد الأشقاء. الأشقاء القريبين في السن هم من يصبحون أصدقاء فقط. كان للفتاة شقيق يكبرها بست سنوات، هذا الشقيق هو أول رجل في حياة أحلام. فمعه وحده أحست بالحنان التي حرمت منه كثيرا. كان طيب القلب حنون يحب شقيقته ودائما يشفق عليها من كثرة همومها. كان لا يتواني عن إسعادها فقد من الله عليها به. كان يشتري لها متطلباتها دون أن تطلب. فهي لم تتعود أن تطلب من والدها أي شئ طوال حياتها. فهذا الشقيق قد خفف عن الفتاة وحدتها التي كانت تشعر بها. فكانوا يتحدثون سويا. ويأكلون ويشربون سويا. بل أحبت ما كان يحب مشاهدته في التلفاز. وظهرت علاقة صداقة حميمة بينها وبين شقيقها. فقد عوضها الله ما عانت من حرمان بأن جعل محبتها في قلب شقيقها.
كان من عادة الفتاة أنها تؤجل غسل الملابس إلي الليل حتي تكون قد إنتهت من يومها الدراسي ومن واجباتها المنزلية. كانت تحب أن تقوم بهذه المهمة أمام التلفاز فتقوم بغسل الملابس علي يديها مع العلم بوجود غسالة كهربائية. لكنها كانت تحب ذلك. وذات مرة كانوا في الشتاء. جهزت الفتاة أشيائها وفتحت التلفاز وبدأت في غسل الملابس وقد غلبها النوم. بل غرقت في النوم ويدها في الماء البارد ولم تدري بنفسها إلا وشقيقها يوقظها. وكاد أن يبكي من أجلها. فهي لم تنام ويدها في الماء البارد إلا من شدة التعب والإرهاق.
آيقظها وضمها إليه وأقسم أنها لن تكمل إلا في الصباح. وحزنت الفتاة لأنها لم تنتهي من غسل الملابس بعد. فهو قام بإدخالها غرفتهم ونظف بنفسه مكان غسل الملابس بدلا. منها. وكان هذا الموقف بمثابة جرس إنذار لشقيقها بأن يغمرها دائما بحبه وحنانه. وقد فعل طيلة حياته.
منذ ذلك اليوم ذاد أهتمامه بها وأشتري لها خاتما من الذهب في وقت كانت الفتاة لا تلبس الذهب إلا عند خطبتها فقط. واشتري لها ساعة يد. وبهم كانت مختلفة وسط زميلاتها فكانوا ينظرون دائما لها بأنها تعيش عيشة غير عيشتهم، وتحيا حياة بلا صعوبات. حياة مليئة
بالسعادة، والهدايا.
لم تستمر سعادة الفتاة بشقيقها فاليوم سيذهب لمدينتهم الأولي لقضاء الخدمة العسكرية. وحزنت أحلام حزنا شديدا لأنه بالنسبة لها السند والمعين بعد الله عز وچل. وهو وحده من استطاع أن يخرجها مما كانت فيه. ولكنها إرادة الله. فلا يدوم إلا وجهه الكريم. ذهب شقيقها ولم تراه أحلام في مدة خدمته العسكرية ولا مرة واحدة. كان يأخذ إجازته ويذهب إلي والده في مدينتهم الأولي ليعمل معه وكان يعطيه أجر كي يساعد نفسه بنفسه. ثم يباشر الذهاب إلي وحدته العسكرية مباشرة دون النزول إلي قريتهم. وكان دائما ما يدخر ما يعمل به ويذهب به إلي شقيقتهم الكبري المتزوجة في مدينتهم الأولي. ليعطيها ما ادخره لتشتري ملابس لأحلام وشقيقتها الصغري. ويرسلها لها مع أي شخص ذاهب إليهم.
وهكذا لم ينساها حتي مع بعده عنها كان يغمرها بحبه وحنانه حتي وهو بعيد عنها. وأحست أحلام بفراغ كبير من فراق شقيقها وأنها أصبحت وحيدة من جديد. ولن تجد من يسد مكانه أبدا.
مع تدرج الأيام. تدرجت أحلام. فكان الصعب في المنزل أصبح يسيرا. وقد تزوج أثنين من أشقائها في وقت متقارب. وقد إتسع المنزل وكبرت العائلة وتوزعت الأدوار عليها ومعها زوجات أشقائها. وكانت والدتها بدأت في التحسن. حيث تقوم من مكانها وتمشي داخل المنزل لكن بصعوبة ولكنها في عين الأطباء كانت قد قهرت المرض بقوة. بحمد الله.
كانت والدة أحلام متعلقة جدا بحب أحلام. فهي كانت تشفق عليها. وكانت تعشق منها أن تقرأ لها القرآن، وتفسره لها بأسلوبها البسيط. كان الله عز وچل يقذف في قلب الفتاة تفسير الآيات. لا من أجل أحلام، ولكن من أجل والدتها لأنه. عز وچل يعلم مدي تعلقها بسماع القرآن وحبها لتفسيره.
ومع إتساع وكبر عدد من في المنزل كانت الفتاة تشعر بالوحدة القاتلة. لأن والدتها تحب العزلة ودائمة الجلوس بمفردها. كانت تناجي ربها دائما وتكلمه، كأنها تراه كانت كثيرة البكاء له وكانت كثيرا ما تدخل أحلام غرفتها تجدها متطلعة إلي السماء وتتكلم بصوت غير مسموع وعندما تسألها وتقول لها إنتي بتكلمي نفسك ياامه. فتسكت الأم عن الكلام والبكاء وتقول لأحلام. مفيش حاجة. وبعد ان تكرر هذا المشهد أصبحت تألفه الفتاة ولم تعد تسأل والدتها عن سبب بكائها ، ولا عن سبب تطلعها للسماء. لكنها كانت تشعر بالوحدة. بسبب جلوس الأم معظم الوقت في غرفتها للصلاة والبكاء.
ومع تغير الظروف إلي حد ما. إلا أن أهملت الفتاة دروسها ولم تجد لها وقت في حياتها بسبب كثرة مشاغلها. والآلم النفسي الذي تركه شقيقها لها أحست. أن الدنيا قد توقفت عندها وأن أي شئ في الوجود ليس له بريق في عينيها. حتي النجاح.
وجاء وقت الإمتحان. ودخلت الفتاة وهي لا تعلم من المنهج الدراسي شئ إلا اليسير. مما يشرح داخل الفصل. وسقطت أحلام في هذا العام. ولا أقصد هنا السقوط بمعني الرسوب وإعادة العام الدراسي ، ولكن السقوط بمعني السقوط من فوق حافة الهاويه ، السقوط من فوق جبل الأحلام ، السقوط إلي أرض الواقع ، السقوط الذي ليس بعده قيام ، السقوط الذي أطاح بكل حلم باقي لأحلام.
وإنهارت الفتاة. وانهار كل حلم حلمت به لنفسها ، وحلم أشقائها لها، وحلم والدتها لها. ولكن ما بيدها حيلة. ولا يحصل الإنسان إلا علي ماقدر وما كتب له.
وإنتهت مرحلة الفتاة التي لم تعيش مثل قريناتها ، ولم تعيش في كنف والدها ووالدتها. فهي لم تفرح، ولم تحس بطفولتها، ولم تتمتع بهذه السن المحببة لكل إنسان. فهذه ظروف وضعها الله تعالي. لأحلام ولكن مع صعوبة هذه الظروف. فقد خلقت إنسانة قوية في هذا السن إبنة الخامسة عشرة سنه فكان والدها ينظر إليها أنها سيدة منزل من الدرجة الأولي وكان يحدث عنها كل العائلة. والكل كان يحترمها. وكان لها كلمة مسموعة في منزلها. وتزينت بفضل الله مع كل هذا بالأخلاق الحميدة.
رأينا بعد. قراءتنا لهذه القصة. أن الإنسان لا يستسلم أبدا للظروف المفروضة عليه. وأنه من شدة الظلام. ينبعث الضياء. وبعد الليل حتما سيظهر النهار. فعلينا جميعا الأخذ بالأسباب. ونتيقن أن الله عز وچل عنده دائما التعويض.
وإلي لقاء آخر مع الجزء الرابع لحلم الشابة أحلام.
بقلم. دعاء حجر. 🌷
تعليقات
إرسال تعليق